ابن الجوزي
233
صيد الخاطر
الأذكياء ، مثل ما روي أن رجلا من الاشراف كان لا يقوم لأحد ولا يخشى أحدا ، فجاز عليه بعض الوزراء فلم يردّ ولم يقم ، فقال ذلك الوزير لرجل : أخبر فلانا أني قد كلمت أمير المؤمنين في حقه ، وقد أمر له بمائة ألف ، فليحضر ليقبضها . فأخبره ذلك الرجل فقال الشريف : ان كان أمر لي بشيء فلينفذه لي . وانما مقصوده أن يضع مني بالتردد عليه . فمتى وقع الانسان مع ذكي فينبغي أن يتحرز منه ويسرق أغراضه بصنوف الاحتيال ، وينظر فيما يجوز وقوعه فليحترز منه ، كما ينظر صاحب الرقعة النقلات . وكثير من الأذكياء لم يقدروا على أغراضهم من ذكي فأعطوه وبالغوا في اكرامه ليصيدوه . فإن كان قليل الفطنة وقع في الشرك ، وان كان أقوى منهم ذكاء علم أن تحت هذه الجنية « 1 » خبية فزاده ذلك احترازا . وأقوى ما ينبغي أن يكون الاحتراز من موتور ، فإنك إذا آذيت شخصا فقد غرست في قلبه عداوة ، فلا تأمن تفريع تلك الشجرة ، ولا تلتفت إلى ما يظهر من ودّ وان حلف ، فان قاربته فكن منه على حذر . 185 - استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم ، فإذا ظهر عاتبوا من أخبروا به « 2 » . فوا عجبا كيف ضاقوا بحبسه ذرعا ثم لاموا من أفشاه ، وفي الحديث : استعينوا على قضاء أموركم بالكتمان « 3 » . ولعمري ان النفس يصعب عليها كتم الشيء ، وترى بافشائه راحة ، خصوصا إذا كان مرضا أو هما أو عشقا ، وهذه الأشياء في افشائها قرينة « 4 » انما اللازم كتمانه احتيال المحتال فيما يريد أن يحصل به غرضا ، فان سوء التدبير إفشاء ذلك قبل تمامه ، فإنه إذا ظهر بطل ما يراد أن يفعل ، ولا عذر لمن أفشى هذا النوع .
--> ( 1 ) الجنية : من جنى الثمرة وهي « فعيلة » بمعنى « مفعولة » والخبية : الخبيئة . ( 2 ) إذا ضاق صدر المرء عن حفظ سره * فصدر الذي يستودع السر أضيق ( 3 ) قال الشيخ ناصر : ضعيف ( 4 ) كذا ومقتضى المعنى ان في افشائها راحة .